ابن أبي الحديد

75

شرح نهج البلاغة

وأعطى المتباينات لفظة ( مقارن ) ، لان البينونة بإزاء المقارنة ، وأعطى المتعاديات لفظة ( مؤلف ) لان الائتلاف بإزاء التعادي . ثم عاد عليه السلام فعكس المعنى ، فقال ( مفرق بين متدانياتها ) ، فجعل الفساد بإزاء الكون ، وهذا من دقيق حكمته عليه السلام ، وذلك لان كل كائن فاسد ، فلما أوضح ما أوضح في الكون والتركيب والإيجاد ، أعقبه بذكر الفساد والعدم ، فقال ( مفرق بين متدانياتها ) ، وذلك لان كل جسم مركب من العناصر المختلفة الكيفيات المتضادة الطبائع ، فإنه سيؤول إلى الانحلال والتفرق . ثم قال ( لا يشمل بحد ) ، وذلك لان الحد الشامل ما كان مركبا من جنس وفصل ، والباري تعالى منزه عن ذلك ، لأنه لو شمله الحد على هذا الوجه يكون مركبا ، فلم يكن واجب الوجود ، وقد ثبت انه واجب الوجود ، ويجوز أن يعنى به انه ليس بذي نهاية ، فتحويه الأقطار وتحده . ثم قال ( ولا يحسب بعد ) ، يحتمل أن يريد لا تحسب أزليته بعد ، أي لا يقال له منذ وجد كذا وكذا ، كما يقال للأشياء المتقاربة العهد ، ويحتمل أن يريد به انه ليس مماثلا للأشياء فيدخل تحت العدد ، كما تعد الجواهر ، وكما تعد الأمور المحسوسة . ثم قال ( وإنما تحد الأدوات أنفسها وتشير الآلات إلى نظائرها ) ، هذا يؤكد معنى التفسير الثاني ، وذلك لان الأدوات كالجوارح ، إنما تحد وتقدر ما كان مثلها من ذوات المقادير ، وكذلك إنما تشير الآلات - وهي الحواس - إلى ما كان نظيرا لها في الجسمية ولوازمها ، والباري تعالى ليس بذي مقدار ولا جسم ، ولا حال في جسم ، فاستحال أن تحده الأدوات وتشير إليه الآلات .